التعليم الديني
 
 
ضمن سلسلة دروس الآداب المعنوية للصلاة ( الآداب القلبية لمكان المصلي)
شبكة المسجد - 2010/06/07 - [عدد القراء : 51]
 


يستمر فرع التوعية بمدينة حمد في سلسلة دروس (الآداب المعنوية للصلاة) والتي يقدمها سماحة الشيخ عادل الشعلة ، والتي وصل فيها سماحته للدرس السادس والعشرون والذي يحمل عنوان ( الآداب القلبية لمكان المصلي ).


وبدأ سماحة الشيخ بالمطلب الأول لهذا الفصل وهو (معرفة المكان) وقال: على المؤمن أن يلتفت إلى المكان الذي يتعبد فيه، وقد ذكر الإمام "قده" أن للسالك السائر إليه، أمكنة بحسب النشئات الوجودية -وهو ما ذُكر سابقاً، من أن للإنسان نشآت ظاهرية، وباطنية، وبرزخية، ونفسية، وروحية- وإذا لم يتحقق بهذه النشئات واقعاً، لن يتوصل إلى صلاة أهل المعرفة -وهذا المطلب مهمٌّ جداً، وإذا استطاع أحدنا إنزاله من العقل إلى القلب، فسوف يُغيّر معادلات كبيرة في وجوده الإنساني- ولذا سأتحدث عن المقام الأول، وهو النشأة الوجودية الأولى، وهي المكان الذي يصلي فيه المؤمن ويتعبد فيه.

 ثم شرع الشيخ الشعلة في الحديث، قائلاً: المقام الأول: هو النشأة الطبيعية والمرتبة الظاهرية: وبعبارة مختصرة واضحة، هو هذه الأرض الطبيعية، فعن النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: (جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدَاً وَطَهُورَاً)، وينبغي للمؤمن أن يلتفت إلى أن الأرض -كُلّ الأرض- هي مسجد لله، وجُعلت له مسجداً، يسجد لله فيها وعليها، ويتطهر عبرها بالسجود والطهارة الباطنيتين، فينبغي للمؤمن أن يستشعر، وهو في بيته، وهو في الشارع، وفي كل بقعة من بقاع الأرض، أنّه يتحرك في مسجد الله، فإذا تركز هذا المعنى في الذهن، ونزل إلى القلب، حصلت للمؤمن حالات باطنية إيجابية، كاستشعاره بحضور الله سبحانه، وأن كل خطوة يخطوها الآن، هي خطوة تحت نظر الله، وفي مسجده الكبير، المُسمى بالأرض، فإذا استشعر المؤمن بأنّ الأرض مسجد لله عز وجل، فيجب عليه أن يتأدب بآداب هذا المسجد، إذ كما أنّ للمسجد –المعروف آداب، كدخوله بتقديم الرّجل اليمنى، واليسرى عند الرخوج منه، وهناك أدعية وارده في حال دخوله وخروجه، واستحباب صلاة ركعتين كتحية للمسجد، وغير ذلك من آداب الظاهرية، التي ذُكرت لهذا المسجد المعروف، والمؤمن يعتني بهذه الآداب، لأنّه يستشعر حضور الله حال دخوله إلى بيته. وللأرض كلّ الأرض آداب أيضاً .

ومن الآداب الباطنية للمكان الذي نتكلم عنه -وهو الأرض- أن يستشعر المؤمن كون هذه الأرض مسجداً لله سبحانه، وأنه موجود في هذا المسجد، وعليه أن يتأدب بآداب:

الأدب الأول: هو أن يعرف في باطنه، أن الله تعالى، قد أنزله من العالم الأعلى، إلى الأرض وهي العالم السفلي، ليعرج فيها باختياره إلى مقام القرب وهو نهاية المقصد لأهل الله، (إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ).. وأنّ المؤمن –الآن- يتحرك في دائرة الاختيار، لأجل الوصول إلى الله تعالى، وكما ذُكر سابقاً، لأجل الوصول إلى مرحلة الفناء، بمعنى الإتصاف بصفات الله سبحانه وتعالى، بحيث تكون الجوارح إلهية، فتتصف العين واليد –وكل جارحة- بخصوصيات أسماء الله سبحانه وتعالى، حتى تكون العين، عينُ الله يحرس بها الدين، ويده، يد الله التي يبطش الظالمين، وقس على ذلك.

إذاً المؤمن على هذه الأرض، يتأدب بأدب الحضور بين يدي الله سبحانه، ويسجد له سجوداً عقلياً، ونفسياً، وعملياً، وقولياً.

الأدب الثاني: أن يتذوق بذائقة الروح، أنّ هذه الأرض: مسجد عبادة الحق، ويسعى لتغذية النفس حتى تستشعر وتستذوق أنّها الآن في محطة للتعبد والتهجد فيها لله سبحانه، والإمام "قده" ينطلق في هذا المعنى من فكرة الاعتكاف في المسجد، إذ تعرفون -سيما الذين اعتكفوا في المساجد- أن المعتكف لا يخرج من المسجد، إلا في حالة الضرورة المشروعة، وهناك حالات في الاعتكاف وموانع، ووفق هذا المعنى تكون هذه النشأة الطبيعية، إذ أنّ هذه الأرض مسجد لله، وينبغي أن لا يخرج المؤمن فيها عن دائرة العبودية، في أي لحظة من لحظاته، ومن غاب عن قلبه هذا الاستشعار، فقد أبطل اعتكافه الكبير.

لاحظوا أيها الأحبة، نحن الآن في المسجد، وكل واحد منّا –إذا دخل المسجد- يشعر بأنّه دخل مكان غير بيته، وطبيعية المسجد وتركيبته والأمور الغيبية التي تحوطه، تفرض حالة معنوية خاصة، وكلّ ذلك يُشعر الإنسان بأنّ هذا المكان بيت لله ومسجده، وهذا الشعور يفرض عليه أدباً معيناً، ولذا فإن استشعر الإنسان هذا المعنى في الأرض، وأنها مسجد لله، فسوف يفرض عليه هذا الشعورُ أدباً معيناً، سيشعر وهو في بيته أنه في مسجد الله، وكذلك حالما يمشي في الطريق، فكل خطوة يخطوها، فهو في أرض الله ووملكته، وحريّ بمن فقه هذا المعنى أن يعيش حالة التعبد ولا يخرج عن عبودية الله عز وجل.. أسأل الله أن يفقهنا ذلك، ويعيننا عليه.

وقد أشار الإمام "رض" إلى حالات للسالك الذي تذوّق حضوره في المسجد الكبير:
الحالة الأولى: أن يستشعر أنه خرج عن فطرته الإنسانية، وأن هذه الفطرة -في هذا المسجد الكبير- قد تلوثت لارتباطها بالمادة والحياة الغافلة والمعاصي، وهذا الإستشعار أحد الأمور المهمة جداً التي يجب الإلتفات إليها ما دام هو مستغرق في الدنيا وهذه الطبيعة.

الحالة الثانية: أن يستشعر الحرمان والنّقص، وأنه خال من المقامات العالية، ويخاف أن يفضح نفسه أكثر في هذه الأرض.. طبعاً هذا الإستشعار ليست مسألة سهلة، وليس كل الناس يستشعرون هذا المعنى، ولكن إذا سعى المؤمن لتحصيله وحصّل ذلك، فهو بحد ذاته نور، وبحد ذاته توفيق، وتطهير النّفس أحد عوامل بناء حالة الإستشعار هذه تبنى، وهذه الحالة مهمة، لأنّ من أحد أسباب التّقصير، هو أننا لا نرى النقص في أنفسنا!! فالبعض ربما يُوفق للسير في الخط المعنوي، ويوفق لبعض الطاعات والأعمال كقيام الليل، فيغتر، ويرى في نفسه أنه أصبح من المتعبدين، فإن لم يلتفت إلى نقصه، فسوف يجرفه الغرور، وإنّ البعض تشمله الألطاف الإلهية، فيضرب على إذنه وسمعه، فينام دون أن يقوم ليله، فيمقت نفسه لتقصيره، وبذلك يعيش دائرة النقص، فتحفظه من الإنتفاخ والغرور. إذاً استشعار النّقص في كل لحظة، من أهم الحالات في عالم الطبيعة، وكيف لا يستشعر ذلك وهو يعيش الغفلة في كثير من أوقاته.

الحالة الثالثة : أن يلجأ إلى الله ويتوجه إليه، ليشكو إليه هذا النفس الأمارة، التي تبعده في كل لحظة عنه سبحانه، كلٌّ بحسب ومقدار تعلقها بشهواتها، وبحسب تعلقها برغباتها، فإذا استطاع كلّ واحد منّا أن يستشعر ظلماته كل لحظة من اللحظات، ويصرخ قائلاً: (لا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)، هذا هو المقام الأول.
ثم انتقل سماحة الشيخ الشعلة للحديث حول المقام الثاني وهو مرتبة القوى الظاهرية والباطنية، قائلاً: " أن يستشعر الإنسان أن هذا البدن –وهو الأرض الإنسانية- هو مسجد، ومحلّ السجود لله، ويسعى ليسخر هذه الجوارح لله سبحانه، لتكون بذلك عابدة (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، فهل أذنه عابدة؟ وهل لسانه عابد؟ وهل رجله عابدة؟! إذاً، لا بد أن يستشعر أحدنا أنّ هذه الجوارح مسجد لله، ومحط لعبادته، فإذا استشعر ذلك، وتغلغل هذا الشعور في وجوده، فسوف يتأدب بأدب هذا المقام، ومن أدب هذا المقام:

عدم تنجّس هذه المساجد؛ ولا يسمح لإبليس أن يعبث فيها، فلو أن شخصاً دخل المسجد الظاهري، ورأى نجاسة من النجاسات، فلا يجوز له الصلاة إلاّ بعد أن يزيل النجاسة، وهذا يكشف أنّ للطهارة محل السجود أهمية في التّعبد، وعلى هذا الأساس، فينبغي الإهتمام بطهارة الأعضاء والجوارح الباطنية، حتى تكون محلاً طاهراً للسجود، وتكون العبادة بتلك الجوارح نافعة.

 لابد أن يستشعر الإنسان في باطنه أنّ هذا البدن محل السجود -كما ذكرت-، فإذا استشعر ذلك، فعليه أن يُحاسب نفسه، ويستحضر أعماله: فهل عصى الله بهذه الجوارح أو لا؟ هل إنها قذرة أم لا؟  هل أن هذه العين قد نظرت بشهوة قبل أن تأتي إلى المسجد؟ فإذا صدر منها شيء فليتوجه إلى ربه صادقاً، ويقول: (اللهم طهرها)، وليقل: (استغفر الله وأتوب إليه), وهل هذه اليد صافحت أجنبية؟ وهل امتدت إلى شيء من الحرام؟ وبعبارة مختصرة: هل لإبليس تسلّط على هذه الجوارح، أم لا؟
وهذا يعني أن من التفت إلى أن البدن محلّ السجود، فلن يسمح إبليس بهذا السجود، مما يعني الإلتفات إلى وجود صراع، فهل سيتسلط وينتصر إبليس في هذا الصراع، ويسيطر على هذه الجوارح؟ أو أنه سيتمكن من الخلاص، وجعلها خالصة لله سبحانه وتعالى؟

فإذا انتصر، كانت جوارحه عابدة ومصلّية، وإلا فلا. وهذا يفتح لنا باباً لمعرفة الصلاة الخاشعة، وأنها لا تحصل إلاّ للمجاهدين والمنتصرين في معركة السيطرة على محل السجود، وهي هذه الجوارح، فإذا كان القلب حاضراً، حال النظر، وأراد إطاعة الله والتعبد فغض البصر، وبعبارة أُخرى سجدت العين لله متعالية عن الحرام، فليثق الواحد منا إذا دخلنا الصلاة بهذا السجود الجوارحي، فسوف يفنى في الصلاة فناء لا يجد لذته أحدٌ غيرنا، سيهطل الدمع من تلك العين الطاهرة، وكذا إذا سجد سمعك، فوسوست لك نفسك وأردت الاستماع للغناء، واستفزّتك أغنية وأنت في غرفتك، فرفضت الإستماع، فسجد سمعك لربّك وتعالى على شيطانك، فثق أنّك إذا دخلت إلى الصلاة، فعندما تقول (الله أكبر)، ويطرق هذا المعنى، سمعك، فسوف تستوعبه أذنك الطاهرة، وتعيش في عالم لا يعرفه أحد غيرك، وهكذا عندما يطرق سمعك القرآن، سيخضع ويخشع، وتعيش لذائذ لا ثمن مادي لها في هذا الكون.. وقس على هذا المعنى.

بعد ذلك تحدث الشيخ حول المقام الثالث، وهو النشأة الغيبية للسالك، وهو ضرورة الإلتفات إلى هذه الروح والنفس والقلب، وكيف يكون لله سبحانه وتعالى؟ إذ ربما تكون الجوارح لله، قد أغضّ بصري، ولكن قلبي راغب أو مملوء بحب الدنيا، أتطّلع إلى الجاه، وأتطّلع إلى مكانة عند فلان، فأقترب من التاجر الفلاني، وأتوقع الحصول منه على شيء، هذا القلب أسير للأهواء، أسير للشهوات.. فكيف يتحرر؟ ولا بد له من التحرر والخلوص لله ليكون أهلاً للذكر والعبادة والسجود، في الحديث القدسي : (لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن)، إذن، هل هذا المسجد متلوث؟ هذا البدن البرزخي طاهر؟! فوا خجلتاه، ووا فضيحتاه لو أقبل افتضح الإنسان في عالم البرزخ !! وقد ذكرت فيما سبق، أنَّ الإنسان لن يدخل عوالم القديسين، ولن يحشر مع الملائكة المقدسين، وهو يعيش القذارة، إنَّ الملائكة لا تعاشر إنساناً قذراً. إذاً، بعد كلّ ذلك أليس على الإنسان –بحق- أن يستشعر الحرمان، حرمان وجوده في عوالم الطهر والنقاء؟

هناك رواية رائعة ذكرها الإمام "قده" إذا يراجع الاخوان الرواية عن الإمام الصادق في الآداب الباطنية عن المكان، وهي رواية رائعة في الواقع وارجوا من الاخوان أن ينورّوا قلوبهم بقراءتها، واستغفر الله لي ولكم وصلِ الله على محمد وآله الطاهرين.

ثم اختتم سماحة الشيخ حديثه بالإجابة على أسئلة الحاضرين ،وقراءة فقرة دعائية قصيرة .









 
كل ما ينشر هنا يحمل وجهة نظر كاتبه
 
الاسم التعليق
ماهر سوار
التاريخ :2010-06-13
أحسنتُم بارك الله فيكم ورحم الله والديّكم نسألكم الدعاء
منتظره
التاريخ :2010-06-22
جزاكم الله ألف خير ورزقنا الله وإياكم العشق الإلهي ونسألكم الدعاء
الصفحة : 1
 
شارك بتعليقك حول هذا الموضوع
الاسم
المنطقة
التعليق
من
أحرف التأكيد Security Image
 
جميع التعليقات خاضعة للمراقبة ، تجنباً للمشاركات الهدامة !
 
الرئيسية
حديث المسجد
المناسبات والفعاليات
أخبار ومتابعات
مجتمع المسجد
أقلام مسجدية
براعم المسجد
التعليم الديني
معرض الصور
مسائل وردود
مواقع مفيدة
استبيان
الإعلانات
البحث المتقدم
اتصل بنا
القائمة البريدية
بنرات
بنر كسوة العيد
بنر الأسر