أقلام مسجدية» الشيخ محمد منسي
 
 
لا ممانعة ولا مسايرة...
شبكة المسجد - 2009/02/24 - [عدد القراء : 120]
 

لا ممانعة ولا مسايرة...

الشيخ محمد المنسي

ممّا لا يختلف عليه العقلاء هو أنّ في الاتحاد قوّة، وأنّ في التّمزّق والتّشتّت والتّفرّق ضعفًا، وفي طول مسيرة تاريخ البشريّة - زمانًا ومكانًا - يوجد صراع بين الحقّ والباطل، ويأخذ هذا الصراع والمواجهة صورًا مختلفة ومستويات متفاوتة مدًّا وجزرًا، وكذلك تتنوّع وتختلف الأساليب في تلك المواجهة.
ومن الأمور التي يستخدمها، ويستفيد منها أهل الباطل كثيرًا هو تمزيق وتفريق أهل الحقّ بأساليب وعناوين مختلفة ومختلقة؛ وذلك لتضعف جبهة الحقّ، فيسهل أمرها، والتّسلط عليها وغلبتها، وهو ما يعرف بسياسة (فرّق تسد).
وتتفاوت درجات الضعف والهزيمة التي تلحق بأهل الحقّ بمقدار استجابتهم وتفاعلهم مع تلك السياسة التّفريقيّة، والعكس بالعكس كذلك، فإنّهم يبقون أقوياء متماسكين كبنيان مرصوص بمقدار وعيهم وتماسكهم وعدم استجابتهم لتلك السياسة، بل ورفضها ومحاربتها ومواجهتها فضلاً عن التأثّر بها.
ومن الصور المقيتة والمؤسفة جدًّا أنْ يقوم أهل الحقّ – بأنفسهم - باصطناع جدر وعناوين وتقسيمات لأنفسهم تُسهم في إضعافهم، وذهاب ريحهم، والإعانة على أنفسهم بما يجعلهم لقمة سائغة للظالمين والمعادين، وأنْ يقوموا بتعميق وتركيز تلك التّقسيمات والعناوين في فكرهم، وثقافتهم، وأدبياتهمـ بل وفي واقعهم العمليّ، فتصبح ثقافة راسخة في النّفوس تترتّب عليها التّحليلات، والتّقييمات، والتعاملات.
ولو رجعنا إلى التاريخ لوجدنا درسًا وعبرة - في هذا الخصوص- في سيرة وحياة الإمام الحسن (عليه السلام) حيث مارست الدّولة الأمويّة المتمثِّلة في معاوية تلك السياسة وبأساليب شيطانيّة ضدّ جبهة الحقّ المتمثِّلة في الإمام الحسن (عليه السلام) وأتباعه من إشاعات، وتشويهات، واختلاق الرّوايات الكاذبة والتي تذمّ في أهل البيت (عليهم السلام) بالعموم، وفي شخصيّة الإمام الحسن (عليه السلام) بالخصوص، هذا من جانب.
ومن جانب آخر كانت تمدح وترفع من شأن بني أميّة ومعاوية، وكان كلّ ذلك يشكّل اغتيالاً معنويًّا، وإسقاطًا لشخصيّة ومهابة الإمام الحسن (عليه السلام) من النّفوس.
وقد أثر ذلك كثيرًا في مجريات الأمور إلى درجة تمكّنه من زرع صورة مشوّهة عن الإمام الحسن ( عليه السلام) في أذهان الناس، بل وحتى في أذهان بعض شيعته وتابعيه، بأنّه – وحاشاه - رجل جبان مهادن مسالم ولا يمتلك شجاعة، ولا ثوريّة ولا حماسًا، وليس كأبيه أمير المؤمنين (عليه السلام)، أو كأخيه الإمام الحسين (عليه السلام)، وهذه من المظالم الكبيرة التي وقعت على الإمام الحسن (عليه السلام).
وقد أنتج ذلك تخاذلاً من المسلمين عن نصرة الإمام الحسن (عليه السلام)، وألجؤوه إلى قبول الهدنة، وما ترتب عليها من تسلّط معاوية على المسلمين، وما حدث بعد ذلك من ظلامات وإهانات في حقّ الإمام الحسن (عليه السلام)، حتى سلّموا عليه بذلك السّلام المؤذِي: (السلام عليك يا مذلَّ المؤمنين)!!
بل وكان البعض يحاول مرارًا وتكرارًا وفي أيام إمامة الإمام الحسن (عليه السلام) أنْ يستنهض الإمام الحسين (عليه السلام) للحرب والمواجهة وذلك لما عشّش، وترسّخ في الأذهان من أنّ الإمام الحسن (عليه السلام) جَبُنَ وهادن وسالم وساير معاوية وركن إلى الدّعة وفضلها على الحرب والمواجهة، بعكس أخيه الإمام الحسين (عليه السلام)، فهو الشجاع الثّائر المواجه والمقاوم.
ولكن الإمام الحسين (عليه السلام) كان يفوِّت الفرصة عليهم، ويصحِّح ذلك المفهوم الخاطئ، فكان يرفض عروضهم وطلباتهم، وكان يجيبهم بجواب صارم: (الرّأي ما عليه أبو محمّد)، و(إنّ أبا محمّد إمامي).
وإذا جئنا إلى واقعنا المعاش نجد تقسيمًا، وتصنيفًا مقيتًا ظالمًا للمجتمع المظلوم المطالب بحقوقه، فقد قُسّم بقصد، أو بغير قصد، وبحسن نيّة، أو بسوئها إلى خطّ ممانع وخطّ مساير، بما يحمله هذا التّقسيم من معانٍ ومفاهيم خطيرة في المدى القريب والبعيد من تخوين واتهام، وتقاعس عن التّكليف الشرعيّ، وتحمّل المسؤوليّة، وتخاذل عن نصرة المظلومين، والرّضوخ لظلم الظّالمين، وغيرها ممّا يوجب على العقلاء الواعين والحريصين على المؤمنين وحقوقهم وعزّتهم ومناعتهم أنْ ينهضوا بواجبهم، وتحمّل المسؤوليّة بتوعية الناس، ورفض أمثال هذه التّقسيمات التي تضرّ ولا تنفع، وتمزّق وتشتّت وتضعف ولا توحّد، وتباعد وتنافر ولا تقرّب.
فالكلّ ينادي بالمظلوميّة والمطالبة بالحقوق المسلوبة ويصرّ على ذلك، وإنّ الظالم والسالب لها معروف، بيد أنّ النّاس اختلفت في أساليب المطالبة بتلك الحقوق، ومعارضة ومواجهة ورفع ذلك الظلم، فهناك من رجّح المواجهة من خارج البلد، وهناك من رجّحها من الدّاخل، وهناك من رجّحها من داخل المؤسّسات الرّسميّة، وهناك من رجّحها من خارج المؤسّسات الرّسميّة، وهكذا، فالأهداف مشتركة بيد أنّ الأساليب قد اختلفت.
وعليه، فلنرفض هذه العناوين والتّقسيمات وغيرها، ولنبحث عن عناوين توحِّدنا وتقوّينا وتشدّ من أزرنا وشوكتنا وبأسنا بما يضمن لنا عزّة وكرامة ومِنعة وسؤددًا في ديننا ودنيانا وآخرتنا ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾. آل عمران:103

 
 
شارك بتعليقك حول هذا الموضوع
الاسم
المنطقة
التعليق
من
أحرف التأكيد Security Image
 
جميع التعليقات خاضعة للمراقبة ، تجنباً للمشاركات الهدامة !
 
الرئيسية
حديث المسجد
المناسبات والفعاليات
أخبار ومتابعات
مجتمع المسجد
أقلام مسجدية
براعم المسجد
التعليم الديني
معرض الصور
مسائل وردود
مواقع مفيدة
استبيان
الإعلانات
البحث المتقدم
اتصل بنا
القائمة البريدية
بنرات
بنر كسوة العيد
بنر الأسر