** بقلم: الشيخ محمد المنسي
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين، واللعن على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
ماذا يعني إرجاع الفقهاء بعض المسائل إلى علماء البلد؟
إنّ المطالع لفتاوى الفقهاء في بعض المسائل الشرعيّة وخصوصًا ما يتعلّق منها بالمسائل الاجتماعيّة، والسياسيّة يجد في بعضها أنّ الفقيه يُرجع المكلّفين في المسألة إلى علماء البلد، أو المنطقة في العموم، بل قد يخصّص الرجوع إلى علماء معيّنين بأسمائهم.
ومن أمثلة هذه العبارات ما يلي:
(أحيل ذلك إلى علماء البلد)، (رأينا ما عليه علماء البلد)، (الأمر موكول إلى علماء البلد)،
(رأينا ما يراه الشيخ عيسى قاسم، والسيد الغريفيّ).
فما هو المقصود من كلّ ذلك؟، فهل يعني أنّنا لا نقلّد مرجعنا في هذه المسالة ونتبع علماء البلد وإنْ لم يكونوا فقهاء؟
أو هل يعني أنّ الفقهاء لا يستطيعون أنْ يفتوا في هذه المسالة؟
والجواب هو:
إنّ الفقيه عنده قواعد وأدلة شرعيّة يفتي في كلّ المسائل على وفقها، والمسائل الشرعيّة تختلف باختلاف موضوعاتها، بل وحتى الموضوع الواحد له عدّة أحكام وذلك وفق اختلاف الظروف المحيطة بذلك الموضوع، ومن هنا تختلف الإجابات الفقهيّة، وكمثال على ذلك:
لو سالت الفقيه: هل يجوز أكل لحم الميتة؟ لكان الجواب: لا يجوز وحرام، ولو سالت ثانيًا: هل يجوز أكل لحم الميتة في حالة الضرورة إلى ذلك؟ لكان الجواب: نعم يجوز أكل لحم الميتة في حالة الضرورة، وبمقدارها – الضرورة -.
ويأتي هنا سؤال آخر: مَن الذي يحدّد وجود الضرورة وعدمها؟
والجواب: إنّ ذلك موكول إلى تشخيص المكلّف نفسه، ومن هنا نفهم الجواب على العبارات المذكورة، فالفقيه عنده القدرة على الإفتاء وقد يستطيع تشخيص موضوع المسألة إذا كان عنده إطلاع عليها بطريق وآخر، وقد لا يستطيع أنْ يشخّص موضوع المسألة وذلك لبعده عنها -مثلاً- وفي هذه الصورة، فإنّه يعلّق المسالة على تشخيص الآخرين.
ففي المسائل الشخصيّة يوكل تشخيص الموضوع إلى المكلّف نفسه كمثال أكل لحم الميتة، وفي بعض المسائل يوكل تشخيص الموضوع إلى أهل الاختصاص كالطبيب ليشخص هل أنّ الصوم مضرّ بالمريض أم لا، وفي المسائل الاجتماعيّة والسياسيّة يوكل تشخيص الموضوع إلى علماء البلد المطلّعين على شؤون ساحتهم، فكأنّ الفقيه أفتى في المسألة بجوابين، وهما: إذا كان موضوع المسألة بصورة (أ)، فالجواب الجواز – مثلاً-، وإذا كان موضوع المسألة بصورة (ب)، فالجواب الحرمة - مثلاً- ، ولكن مَن الذي يشخص أنّ موضوع المسألة المعيّنة هو في صورة (أ)، أو (ب)؟
لا شكّ أنّ الذي يشخص ذلك هو علماء البلد المطلعين على هذه المواضيع، ومن هنا فإنّ إحالة الفقيه الأمر إلى علماء البلد هو من باب الإرجاع إلى أهل الاختصاص في تشخيص موضوع المسألة - كما يرجع إلى بقية الاختصاصات كالطبيب فيما هو اختصاصه-، وذلك لا يتنافى مع مرجعيّة الفقيه، ولا يعني إتباعا لعالم البلد من دون مرجعنا.
ولأجل التوضيح والاستفادة أكثر أذكر تطبيقات لهذه المسألة:
التطبيق الأول: مسألة كادر أئمة الجماعة والرواتب
وهي مسألة مبتلى بها وقد سمعتم، أو قرأتم كثيرًا من الكلام حولها، بل واستفتاءات كثيرة بعضها غير دقيقة، وبعضها مغالطات، والمسألة على نحو الإجمال هي:
لو سالت الفقيه: ما هو حكم أخذ إمام الجماعة للراتب من الدولة؟ لكان الجواب: يجوز ذلك في نفسه ما لم يستلزم مفسدة عاجلاً أو آجلاً.
ولكن يأتي السؤال: ومَن الذي يحدّد أنّ في ذلك مفسدة أم لا؟
فتشخيص ذلك موكول من قبل الفقهاء إلى علماء البلد المطلعين على شؤون الساحة، بل قد ورد من بعضهم تحديد بعض الأسماء كـ(الشيخ عيسى قاسم، والسيد عبد الله الغريفيّ)، ولو راجعنا هؤلاء العلماء وغيرهم لأجابونا بضرس قاطع بأنّ ذلك فيه فساد ومفسدة عظيمة على المذهب، وأهل المذهب، والمساجد، وأئمة الجماعة والمؤمنين.
والنتيجة:
إنّ هذا المشروع حرام وتقويته والمشاركة فيه، وأخذ الراتب غير جائز، بل وورد من بعض الفقهاء التصريح بعدم جواز الصلاة خلف إمام يستلم هذا الراتب.
التطبيق الثاني: مسالة الرياضة البدنيّة النسويّة في النوادي الحكوميّة
فلو سالت الفقيه: هل يجوز للنساء ممارسة الرياضة البدنيّة في النوادي الحكوميّة؟ لكان الجواب: نعم يجوز في نفسه ما لم يستلزم مفسدة، وهنا يأتي السؤال المهم وهو: ومَن الذي يحدّد أنّ في ذلك مفسدةً وضررًا وفسادًا أم لا؟
الجواب: إنّ الذي يحدّد ويشخص ذلك هو علماء البلد المطلعين على شؤون الساحة.
ولو رجعنا إلى علماء البلد من أمثال (الشيخ عيسى قاسم، والسيد الغريفيّ)، وغيرهما ممّن له خبرة واطلاع، لقالوا لنا وبشكل واضح وقاطع: إنّ في ذلك فسادًا وضررًا ومفسدة عظيمة
والنتيجة:
إنّ الرياضة البدنيّة للنساء في النوادي الحكوميّة الحالية حرام والمشاركة حرام والدعم والتشجيع لها أيضًا حرام.
اللهم أرنا الحقّ حقًا، وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.